محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
213
الآداب الشرعية والمنح المرعية
على المنكر مع القدرة ، فقد جعل ظن وقوع المنكر بمنزلة المنكر الموجود في وجوب الإنكار والمشهور عندنا في هذا الحال أنه لا يعذب . وذكر القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية : إن غلب على الظن إستسرار قوم بالمعصية لأمارة دلت ، وآثار ظهرت ، فإن كان في انتهاك حرمة يفوت استدراكها ، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها جاز أن يتجسس ويقدم على البحث والكشف - هذا في المحتسب - وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار كالذي كان من شأن المغيرة بن شعبة وشهوده ولم ينكر عليهم عمر رضي اللّه عنه هجومهم وإن حدهم للقذف عند قصور الشهادة . وإن كان دون ذلك في الريبة لم يجز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه . وكذا ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية ، وظاهر كلام أحمد في موضع جوازه كما سيأتي في تسويته بين الحالين وعملا بالظن وهو رأي بعض المتأخرين ، ويتوجه أن يقال نص أحمد في هذا الفصل في ظن وقوع منكر مستور ، ونصه في الفصل بعده في ظن وقوع منكر ظاهر فينكر الظاهر لا المستور . وقول القاضي في انتهاك حرمة يفوت استدراكها دليل على أن المنكر المستور إذا زال لا تجوز المجاوزة بدخول الدار والمكان وغير ذلك لحصول المقصود وهو زوال المنكر ، وقد قال المروذي قرأت على أبي عبد اللّه بن الربيع الصوفي قال : دخلت على سفيان بالبصرة فقلت يا أبا عبد اللّه إني أكون مع هؤلاء المحتسبة فندخل على هؤلاء ونتسلق على الحيطان ، فقال : أليس لهم أبواب ؟ قلت بلى ولكن ندخل عليهم لئلا يفروا ، فأنكره إنكارا شديدا وعاب فعلنا ، فقال رجل من أدخل ذا ؟ قلت إنما دخلت إلى الطبيب لأخبره بدائي ، فانتفض سفيان وقال إنما أهلكنا أن نحن سقمى ونسمى أطباء ثم قال لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر إلا من كن فيه خصال ثلاث : رفيق بما يأمر ، رفيق بما ينهي ، عدل بما يأمر ، عدل بما ينهي عالم بما يأمر عالم بما ينهي . فإقرار أحمد هذا ولم يخالفه دل على القول به ، فأما إن لم يزل المنكر إلا بذلك فقد تقدم الكلام في إنكار المنكر المستور . واللّه أعلم . وفي الصحيحين " 1 " أن عتبان بن مالك عمي فبعث إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى ، فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجاء قومه وتغيب رجل منهم يقال له مالك بن الدخشم ، وهو بضم الدال وسكون الخاء المعجمة وضم الشين المعجمة وبعدها ميم ، وقيل بزيادة ياء بعد الخاء على التصغير . وورد بالألف واللام في أوله وبدونهما وروي في غير الصحيح بالنون بدل الميم مكبرا ومصغرا ، ويقال أيضا الدخشن بكسر الدال والشين
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 424 ) ومسلم ( الإيمان / 33 ) .